كاتبة عربية
English
RK ريم خميس REEM KHAMEES
قصص

مَنْزِلٌ بِلَا أَحَدِهِمْ

توقفتْ سيارة الأجرة، وبقيتُ للحظاتٍ أتأمل هيئة هذه البناية الذابلة من خلف نافذة السيارة. وتذكرتُ ذلك اليوم وكأنه كان بالأمس، يوم أخبروني بوفاة زوجي في العمل منذ ثلاثة أشهرٍ، فقد توفى إثر سكتةٍ قلبيةٍ مفاجئةٍ. لم أستوعب ما قالوه شعرتُ بأن الأرض تُسحب من تحت قدميَّ، ثم لم أعد أتذكر شيئًا. قالوا أنني سقطتُ مغشيًا علي، وأن أطفالي هم من أنقذوني، عندما اتصل ابني الكبير ذو التسعة أعوامٍ بجَدَّتِهِ ليَسْتَنْجِد بها، بينما جلس الصغير يبكي بجانبي. نقلوني إلى المستشفى، بقيتُ هناك أيامًا لا أعرف ما يدور حولي، لم أحضر جنازته ولا مراسم دفنه ولا حتى …. ألقيتُ عليه نظرةً أخيرةً.

استيقظتُ بعد أيامٍ معتقدةً أنها كانت لحظاتٍ، وبمجرد أن فتحتُ عيني سألتُ أمي التي كانت تجلس بجواري: أين هو؟
فبكتْ.
فعرفتُ أنها حقيقةٌ.
أُصبتُ باكتئابٍ حادٍ، ومن يومها لم أستطع دخول المنزل.
أفقتُ على صوت أمي التي تُناديني بعد أن فتحتْ لي باب السيارة، وأمسكتْ بيدي في محاولةٍ منها لتُعيدني إلى الواقع الذي لم أعد أُدرك أوقاته. صعدنا الدرج ببطءٍ كأيامي التي تمر كالسلحفاة، ووجدتُ نفسي أتسمَّر أمام باب الشقة، أسمع عتابه وكأنه يلُومُني على الغياب.
وضعتْ أمي المفاتيح في قلب الباب، فسمعتُ صريره الذي يصرخ، فلم يتوقع هو أيضًا أن يُفارقه بهذه السرعة. أصابتني قشعريرةٌ سرتْ في كل جسدي وجعلتني أرتجف، فربتت أمي على كتفي بحنانٍ، يبدو أن الخوف سكن بين ضلوعي منذ يوم رحيله.
وبمجرد أن انفتح الباب شممتُ رائحةً غريبةً أشمها لأول مرة في بيتنا، كانت تشبه رائحةً ترابيةً خافتةً ممزوجة برائحةٍ أكثر قوة…رائحة الموت. لم أكن أعرف أن للموت رائحةً، ولكني عرفتُ…
نظرتُ حولي، كل شيءٍ كما تركته تمامًا، فالستائر مضمومةٌ على أحد جانبي الشرفة كما كان يُحبها؛ لتتمكن الشمس من زيارتنا كل صباحٍ. وجهاز التحكم موضوعٌ بجانب التلفاز بزاويةٍ مستقيمةٍ كما كان يضعه كلما لاحظ اعوجاجه.
على الرغم من ضجيج الأولاد في الخلفية، إلا أنني أكاد لا أسمعهم، فقد كنت أُنصتُ إلى هذا السكون الذي يملأ المكان، سكونٌ له هيبةٌ، وكأن كل شيء في المنزل في حالة حدادٍ على صاحبه.
سِرتُ بين الذكريات بانتباهٍ، فهنا كان يطلب الغداء بمجرد عودته من العمل، ثم يدخل ورائي إلى المطبخ متسائلًا: ماذا طبختِ لنا اليوم؟ وهو يتنقل بين القدور ممسكًا بملعقةٍ خصصها لتذوق كل صنفٍ.
ثم يتابع وهو يساعدني في وضع الأطباق: هل غسلتِ يديكِ؟
هل نشفتِ الأطباق جيدًا؟
كنت أصرخ في نفسي: يا الله، لماذا يتدخل في شؤون المنزل هكذا؟
انتقل بصري إلى مكان جلسته على الأريكة، حيث كان يعلو صوته طلبًا للشاي وهو يشاهد المباراة على التلفاز.
سبقتني نظرات عيني إلى المكتب الذي كان يقضي فيه معظم أوقاته، اقتربتُ منه بهدوءٍ خوفًا من إثارة ذعره، فهو وحيدٌ بعد رحيل رفيقه. وبمجرد وقوفي عند عتبته شممتُ نفحةً من عطره المفضل ممزوجًا برائحة القهوة التي كان يعشقها، يبدو أن مكتبه ما زال يحتفظ بجزءٍ منه في قلبه.
رأيته جالسًا هناك على كرسي المكتب ينادي بصوتٍ جهوريٍّ: أين القهوة؟
ثم ينادي مرة أخرى متسائلًا: أين الأوراق التي تركتها في الصباح على المكتب؟
وأرد الرد المعتاد: ستجدها داخل الدُّرْج الأيمن.
فيتابع: بحثتُ ولم أجدها.
فأتوجه إلى مكتبه بخُطًى حادةٍ، وأخرجها في غضب ٍمكتومٍ وأعطيها له.
أما عن تحقيق قبل النوم فيبدأ بسؤالٍ بسيطٍ: هل جهزتِ ملابسي التي سأرتديها في الصباح؟
فأرد بعفويةٍ: نعم.
فيُكمل: هل لمعتِ الحذاء؟
فأقول: بالطبع.
ثم يُكمل سلسلة أسئلته الروتينية: ماذا عن الحقيبة؟
الساعة؟
الجورب؟
وفي كل يوم أرد نفس الإجابات كاظمةً بركانًا من الغضب في داخلي.
ألا يمل من هذا الروتين؟
كم كنت أنتقد إتباعه لتلك العادات! كم كنا نختلف على أتفه الأمور! فهو يحب النظام والروتين أكثر من اللازم، وأنا أحب الحرية وعدم التَّقيُّد، وقد كان هذا هو السبب الجوهري لمشاكلنا معًا.
أحيانًا كنت أتمنى أن يسافر يومًا أو يومين مع أصدقائه، ولو يرسله العمل أسبوعًا انتدابيًا إلى فرعهم الرئيسي، وأرتاح قليلًا من هذا الروتين المُقيَّد، ويبدو أنه سافر دون رجعة.

سالتْ دموعي وأنبتُ نفسي على أمنيتي، ليتني ما تمنيت، ليتني رضيت، ولكن للأسف الأمنيات المُحققة لا تُرد ولا تُستبدل.
أعدتُ النظر مرةً أخرى إلى نفس الأماكن، فقد همستْ لي بتفاصيلٍ جعلتني أتفحص تلك الذكريات المُختبئة بين ثناياها. فهنا كنت أقابله عند مجيئه وأحمل عنه كل الخيرات التي كان يُحْضِرها معه، ويُعطيني نصيبي من الحلوى الذي كان يُخرجه من بين المشتريات بفرحة أبٍ يُكافئ ابنته. ثم ينظر إلي عيني بلهفةٍ ويطلب الغداء، فقد اشتاق إلى طعامي. وبمجرد أن أدخل المطبخ يتْبعُني بعد أن غير ملابسه ليتذوق أصناف الطعام الذي أعددته بتلذذٍ، كالطفل الصغير المُتلهف على طعام أمه.
وهنا أمام التلفاز كنا نتناول الشاي مع قطع الكيك الذي طلب مني إعداده ليلة أمس، ويحدثني عن ركلة الجزاء والركلة الحرة غير المباشرة، وصدقًا لم أستطيع التفريق بينهما حتى لحظتي هذه.
وفي المكتب عندما كنت أُقدم له قهوته، لم يَمَلَّ يومًا من قول: ليتكِ تُعلمين عم خليل كيف يصنع القهوة بطريقتكِ، فقهوتي الصباحية في العمل تكون باهتةً.
وبمجرد أن أعود الى جلستي أسمع ندائه طالبًا أوراقه، وعندما أُخرجها له من الدُّرْج يبتسم في وجهي وكأنه يستأنس بوجودي.
ولا أُنكر أن أسئلة قبل النوم كانت تُذكرني بتحضير أغراضه.
بكيتُ بحرقةٍ نادمةً على سوء فهمي، معاتبةً الذكريات التي لم تُنْبِّهُني وقتها لتلك الأسرار.
مشطتُ المنزل بعيني رافضةً التواجد فيه من دون أحدهم. يبدو أن أحدهم كان المنزل ولكني استوعبتُ مؤخرًا.

تفاعل القراء 200 قراءة
تقييم القراء 5.0 / 5 7 تقييم

اختر تقييمك: 1 الأقل و5 الأعلى

مساحة القراء

1 تعليق

يمكنك كتابة تعليقك باسمك وبريدك أو تركهما فارغين. المهم أن تصل الفكرة بلطف ووضوح.

شارك رأيك

الاسم والبريد الإلكتروني اختياريان. لن يظهر البريد للزوار.

شارك هذا النص
حقوق النشر

جميع النصوص محفوظة للكاتبة ريم خميس. يسمح بمشاركة رابط النص فقط مع ذكر المصدر، ولا يسمح بنسخ أو إعادة نشر المحتوى دون إذن كتابي.

تابع القراءة

قصة جديدة تصل إلى بريدك

اشترك لتصلك الكتابات الجديدة ورسائل الكاتبة.

03

اقرأ تالياً

2026 قِصةُ لِثَامٍ REEM KHAMEES
قصص

قِصةُ لِثَامٍ

لم أجد غير البحر لأشكو له همي، وأُلقي فيه قليلًا مما في جُعبتي، وأُطْلِعَه على أسراري، وأُشْركه في حزني. نظرت إليه على مدِّ البصر، وتخيلتُ كم الشكاوى والأحزان…

2026 رفيق دربي REEM KHAMEES
قصص

رفيق دربي

دخل نور الشمس يتسلل من وراء الستائر ليوقظني ويزيل عن عيني كسلًا طالما فضّلته، ويزيح عن قلبي همًّا طالما حملته، استيقظت من نومي متفائلًا مبتسمًا، مخالفًا لعادة رافقتني…