عندما ولد هذا الصغير، كان مميزًا، مُفَعَّمًا بالطاقة والنشاط، مختارًا بصفاتٍ مفصَّلةٍ عليه، يتصرف على سجيته، يتعامل بما يخرج من قلبه مباشرةً، فعندما يقول أحبك فهذا أصدق حبٍّ قد حصلت عليه، وعندما يرفضك فانتبه هناك خطأ ما في معاملتك معه.
ومع الوقت اكتشف بفطرته أن هناك صفاتٍ تكافأ وأخرى تُرفض، فأجبر نفسه على تعلم كيفية إخفاء أجزاءٍ من ذاته ليتعايش مع محيطه الأول…. أسرته.
عندها تقبَّل الأهل تنازلات الطفل بوصفها طاعةً أو نضجًا، بينما في الحقيقة هي تخلٍّ تدريجيٌ عن ذاته. وبغير وعي من أهله ثبتوا لديه هذه النظرية«تنازل حتى تُقبل» ومنذ تلك اللحظة وهو يعيش سلسلةً من التنازلات الغير متناهية.
لماذا تريد أن تُعجب الجميع؟
لماذا تنتظر التصفيق من الآخرين؟
لماذا تبيع نفسك لتُرضيهم؟
علينا أن نُقر بأن المجتمع قد فتح ذراعيه لنا، ووعدنا بالقبول، ولكن هل فكرت يومًا ماذا ستدفع في المقابل؟
للأسف هذه خدعةٌ تسويقيةٌ رائجةٌ، يعرضون عليك السلع ويلمعونها دون ذكر المقابل، خاصةً إن كان هذا المقابل باهظ الثمن.
لن يكشف لك أحدٌ الحقيقة ويُخبرك بما ستدفع، لذا أنا سأقول لك ما المقابل.
للقبول في أي مجتمعٍ جديدٍ عليك إتباع الآتي:
في البداية ستحتاج إلى دفع مقدمٍ كبيرٍ كدفعة أولى، ما تدفعه هنا ليس مالًا بل أشياء أخرى -يسمونها بسيطة- غير ملائمة للعيش في مجتمعهم، وسأخبرك سرًا إنها كنوزٌ ثمينةٌ لا تُقدَّر بثمنٍ. فالقبول يتطلب منك أن تكون مناسبًا بالقدر الذي يحتاجونه لا بالقدر الذي أنت عليه.
ما رأيك في الخضوع لعمليةٍ بسيطةٍ تسمى النحت، فلديك «كلاكيع» لابد من التخلص منها، وهذا سيجعلك أكثر تناسبًا مع هذه المكانة التي تنتظرك، نحتٌ فكريٌ، مشاعريٌ، ونفسيٌ، لا تقلق العملية غير مؤلمةٍ بالمرة، فنحن نقوم بها بشكلٍ تدريجيٍ لذا لن تشعر بشيءٍ.
عليك إتباع قواعدهم، هذه القواعد لم يكتبها أحدٌ، ولم يُوقِّع عليها أحدٌ، ولكن الجميع يتصرف وكأنها قوانين لا يجوز مخالفتها.
القاعدة الأولى: لابد أن تتخلص من تلك القيم البالية التي عفى عليها الزمن، فليس لها مكانا بيننا، فالصدق دليل سذاجة، والوفاء حماقة، والتعاطف لغة الضعفاء.
القاعدة الثانية: تلك المشاعر النبيلة ليست مرحبًا بها، فالعقول أولى بتوجيه كل تلك الطاقة.
القاعدة الثالثة: لا مكان للحدود في عالمنا، انتبه حتى لا تُتَّهم بالأنانية.
القاعدة الرابعة: قاموسنا خالٍ من كلمة «لا»، لذا فاستخدامها بيننا محظورٌ.
القاعدة الخامسة: تخلى عن أحلامك إن كانت لا تشبه أحلامنا.
القاعدة السادسة : أفضل صفاتك هي عبأ علينا ما دامت تختلف عن صفاتنا، احفظ عنا هذه المقولة: «في الاختلاف مخاطرةٌ، والتشابه أكثر أمانًا».
القاعدة السابعة : احتفظ برأيك المتناقض مع رأينا لنفسك، فإن أعلنت عنه فعليك تحمل ما ستُلاقيه.
وبمجرد أن تتبع تلك القواعد ستصلك رسالة الترحيب: «أهلًا بك معنا، أنت مقبولٌ بيننا بنجاحٍ».
ثم يتبعها رسالة تنبيه أخرى تقول: «لكن لا تنسى الأقساط الشهرية التي ستدفعها من كيانك».
كل ما ذكرت لك رسائل ضمنية لا تقال بشكلٍ مباشرٍ ولكنها تقال مغلفةً كهديةٍ.
وتسير منبهرًا بنجمك الذي بدأ في السطوع، وشعبيتك التي تتزايد، ناسيًا من كنت، وما كان هدفك يومًا، مقبلًا على تلك الحياة البراقة الخادعة.
وكلما حان وقت الدفع حدثت نفسك: لا بأس إنه جزءٌ صغيرٌ مني، بالطبع لن يؤثر علي. وكلما تاقتْ نفسك إلى قبولٍ أكبر، كان عليك أن تدفع أكثر، متبعًا نظام «اللابأس» حتى تُفاجأ بأنك فقدت نفسك كليًا.
فلم تكن تعلم أن ثمن القبول هو فقدان ذاتك وضياع هويتك، أن يجعلوك نسخةً مكررةً منهم، أن تكون كما يحبون لا كما أنت، أن يشكلوك كما يعجبهم لا كما تميل نفسك.
مباركٌ عليك…. لقد أصبحت ناجحًا لامعًا ومقبولًا بينهم، ولكنك لست أنت. فستكتشف في نهاية الأمر أن هذا الشخص المتألق هو شخصٌ آخر منتحلٌ شخصيتك.
لقد تم استبدالك بنجاحٍ.
مقالات
بين من أنا….ومن يريدونني أن أكون
تفاعل القراء
340
قراءة
مساحة القراء
4 تعليق
يمكنك كتابة تعليقك باسمك وبريدك أو تركهما فارغين. المهم أن تصل الفكرة بلطف ووضوح.
شارك رأيك
شارك هذا النص
جميع النصوص محفوظة للكاتبة ريم خميس. يسمح بمشاركة رابط النص فقط مع ذكر المصدر، ولا يسمح بنسخ أو إعادة نشر المحتوى دون إذن كتابي.
فكرة عميقة وجديدة
تسلم إيدك 🌹🌹
شكرًا جزيلًا
اسلوبك شاعري ويلمس الروح، المقال رائع جدا😍❣️❣️
مقال رائع جدًا🤍🤍