كاتبة عربية
English
RK ريم خميس REEM KHAMEES
قصص

رفيق دربي

دخل نور الشمس يتسلل من وراء الستائر ليوقظني ويزيل عن عيني كسلًا طالما فضّلته، ويزيح عن قلبي همًّا طالما حملته، استيقظت من نومي متفائلًا مبتسمًا، مخالفًا لعادة رافقتني سنين وسنين، فهناك شيء مختلف، فأخيرًا قد عثرت على ما كنت أبحث عنه دومًا، عثرت على رفيق للدرب.

كنت دائمًا أشعر بالاختلاف، لدي شيء لا يمتلكه إلا القليل، ولم يرافقني الحظ لأقابل أحدهم، فمشاعري جياشة، وقلبي هو من يحرّكني، وعاطفتي هي أغلى ما أملك. ولكني كنت أشعر بالغربة بين الجميع، كنت أشعر أنني وحيد. فكلما صادقت أحدًا، لا يستطيع أن يبادلني ما أُعطيه له، فأغدقه بالحب والمشاعر والاهتمام بكل تفاصيله، أهبُه وقتي عن طيب خاطر، وأبذل من أجله كل نفيس. ولكن في المقابل، أجد فتاتًا من الحب، فتاتًا من الاهتمام إن وُجد، بذلًا لا يليق بذلك الحيوان الأليف الذي أُرغِمتُ على العناية به، وكأنني تحفة فنية يضعها على مكتبه معجبًا بها، لا يستطيع تركها ليحصل عليها من يقدّر قيمتها، وليس لديه رغبة في إعطائها ما تحتاج من رعاية واهتمام… أو كذاك الكتاب القابع منذ سنين في مكتبته الخاصة، لا يفعل شيئًا إلا أنه يزيل عنه الأتربة ويلمعه ثم يضعه كما كان، لا يعطيه أدنى اهتمام ولا يهتم بما في داخله، الأهم عنده أنه اقتناه.

كلما مر بي العمر، شعرت بالوحشة والاحتياج لمن يفهمني، يشبهني، يقدّرني، ألقاه وقت حاجتي، يتفقد غيابي ويطمئن عليّ، يستوحش فيأتيني هرولة، يستمع إليّ دون أحكام أو تنظير، يرضاني صديقًا بكل ما فيّ من عيوب ومميزات، ويتباهى بكوني صديقه وكأنني أعظم إنجازاته. ولكن دائمًا ما يحرمنا القدر من أكثر شيء نحتاجه، فوجودك مع من لا يشبهك يشعرك بالغربة، ووجودك مع من لا يفهمك يشعرك بالتناقض. كان عبئًا على قلبي، غمّة أشعر بها طوال الوقت. حملت همي فوق عاتقي في صمت، فمهما تكلمت لا يوجد من يفهمني، عشت بغصتي تصرخ بداخلي، ولكن لا حياة لمن تنادي.

كنت أتمنى ألا أستيقظ من نومي، أظل نائمًا ولو كانت النومة الأبدية، ولكن لم يحن وقتي بعد. ولكن كل ذلك تغيّر في لحظة عندما قابلته البارحة؛ نعم، لقد عثرت على رفيق دربي بعد هذا العمر، وأنا في الخمسين من عمري، إنه يشبهني تمامًا، وكأنه توأمي وكان غائبًا عني. تحدثت معه وتحدث معي، استمع إليّ بإنصات، ولأول مرة يستمع إليّ أحدهم دون إصدار أحكام أو تقليل من شأني، وهبني الحب الذي أستحقه ولم أشعر به يومًا، وكأنه فُصِل على مقاس أمنياتي. تجاذبنا أطراف الحديث، أخبرته عن مخاوفي فأهداني الطمأنينة، حدثته عن أحلامي فرسم لي كونًا لترمح فيه، ضحكنا وبكينا.

الغريب أن ما يفرحني يفرحه، وما يبكيني وينغّص عليّ معيشتي هو نفسه ما يؤرقه، صدفة غريبة، أليس كذلك؟ استمتعت بوجودي مع أحدهم، لأول مرة أشعر بالألفة، لأول مرة أشعر أن لي صديقًا حقيقيًا دون مصالح، يتمنى رفقتي فقط، هذا كل ما يتمناه، ولذلك أنا مبتهج، سوف ألقاه اليوم أيضًا، يا لحظي السعيد! سأحضر بعض الطلبات التي يحبها، وأنا عائد من العمل، فقد علمت منه أنه يحب الطعام الصحي مثلي تمامًا، وسنتشارك اليوم طعام العشاء ونسهر سويًا، فغدًا عطلة.

وبالفعل، أنهيت عملي سريعًا اليوم بنشاط وهمة لم أعهدها من نفسي، وأخذت أعدّ الدقائق حتى ينقضي وقت العمل، مررت لأشتري مبتغاي وعدت وأنا أُدندن ببعض عبارات الشعر الذي يعشقه هو أيضًا. ستكون هذه الأمسية مميزة. جهّزت كل شيء وجلست أنتظر مجيئه بفارغ الصبر، نظرت إلى عقارب الساعة المعلّقة أمامي على الحائط وهي تتبختر في مشيتها وتساءلت: لماذا تأخرت يا صديقي؟ قمت من مجلسي لأحضر بعض العصير الطازج، فعدت معه في زهوٍ وقلت مُرحبًا به: “أهلًا يا ظلي، لقد افتقدتك كثيرًا منذ البارحة”.

تفاعل القراء 542 قراءة
تقييم القراء 4.6 / 5 51 تقييم

اختر تقييمك: 1 الأقل و5 الأعلى

مساحة القراء

8 تعليق

يمكنك كتابة تعليقك باسمك وبريدك أو تركهما فارغين. المهم أن تصل الفكرة بلطف ووضوح.

  1. روعة ايه الجمال والرقى
    انا بقى اللى كنت بدور عليكى ياريم ياجميلة
    كنتى دافنة المواهب لقمر دى ليه
    ربنا يوفقك وبالنجاح يارب العالمين

  2. كلام رقيق من شخص رقيق ♥♥♥ موهوبه حبيبتي ربنا يوفقك 🌹🌹

شارك رأيك

الاسم والبريد الإلكتروني اختياريان. لن يظهر البريد للزوار.

شارك هذا النص
حقوق النشر

جميع النصوص محفوظة للكاتبة ريم خميس. يسمح بمشاركة رابط النص فقط مع ذكر المصدر، ولا يسمح بنسخ أو إعادة نشر المحتوى دون إذن كتابي.

تابع القراءة

قصة جديدة تصل إلى بريدك

اشترك لتصلك الكتابات الجديدة ورسائل الكاتبة.

03

اقرأ تالياً

2026 قِصةُ لِثَامٍ REEM KHAMEES
قصص

قِصةُ لِثَامٍ

لم أجد غير البحر لأشكو له همي، وأُلقي فيه قليلًا مما في جُعبتي، وأُطْلِعَه على أسراري، وأُشْركه في حزني. نظرت إليه على مدِّ البصر، وتخيلتُ كم الشكاوى والأحزان…