كاتبة عربية
English
RK ريم خميس REEM KHAMEES
قصص

قِصةُ لِثَامٍ

لم أجد غير البحر لأشكو له همي، وأُلقي فيه قليلًا مما في جُعبتي، وأُطْلِعَه على أسراري، وأُشْركه في حزني. نظرت إليه على مدِّ البصر، وتخيلتُ كم الشكاوى والأحزان المُلقاة في أحشائه، وكم الدموع التي ذُرِفَت فيه مُعوضةً فقدانه للماء.

وبينما أنا واقفٌ شاردًا بين أفكاري، وظانًا أن مشاكلي هي الأكبر في الكون، جذبتني تلك الوجوه الكادحة المُستيقظة في هذه الساعة المُبكرة من النهار يُلاحقون أرزاقهم، ومن بين تلك الوجوه لمحتُ ذلك الرجل الذي يقف على بُعد أمتارٍ مني، مرتديًا زِيُّه المميز، مُتلفِّعًا بشالٍ لَفَّ نصفه حول رقبته عسى أن يحميه من هذا البرد القارس، ومتلثمًا بالنصف الآخر ليحمي وجهه من ذرات التراب المتناثرة حوله.

سرق بصري للحظات، فوقفتُ أتأمَّله وقد بلغ من الكِبَر عِتيًّا؛ فانحناءات ظهره تَشِي بعمره المستور تحت لِثَامه، وحركاته البطيئة أخبرتني هي الأخرى بكِبَر سنه. كان يكنس الطريق في وقارٍ، ويلتقط الأوراق حوله في تأنٍّ، ثم وجدته يفرك يديه ببعضهما باحثًا عن دفءٍ يُبدد قسوة هذا الصقيع. ذابت أحزاني ونسيت أوجاعي وأنا أراه ينسى العمر ويكسر حاجزه ليَقْتات ويعود إلى بيته مُحمَّلًا بالخيرات، لتنَفرج أسارير أسرته.

قرصني البرد فحَاكَيْتُه وفركتُ يديَّ عسى أن أنعم ببعض الدفء. جالت عيناي في الأفق، فإذا بذلك المتجر الذي يبيع القهوة، فهرولتُ إليه لأحتمي من هذا البرد الذي تغلْغل إلى عظامي وجمَّد أطرافي. ما زالت عيناي مُعلَّقتين بعامل النظافة، ففكرتُ أن أُشاركه شُرب القهوة، فطلبتُ له مثل طلبي، وفضَّلتُ أن أُحضر له شيئًا ليأكله مع القهوة. نظرتُ إلى الأصناف المعروضة داخل الڤاترينة الزجاجية، فاخترتُ له كعكةً محلاةً مغطاةً بالشوكولاتة، وأخرى محشوةً بالجبن. اخترتُ الأنواع المُفضَّلة إلي؛ فقد علَّمتني أمي أن من البِرِّ الإنفاق من أفضل ما تهوى نفوسنا.

خرجتُ إليه فإذا به على نفس حاله الرَّزينة، فألقيت السلام عليه ومددت يدي بإفطاره وقلت:
  «البرد قارسٌ اليوم.»
فردَّ عليَّ:
  «بالفعل، إنه الشتاء الأبرد.»
ثم سأل في تعجب بعد أن أزال لِثَامه:
  «أهذه الأشياء لي؟»
فقلت بودٍّ:
  «لم أحب أن أفطر وحدي، فأحببت أن آنَسُ بوجودي معك.»

تفاجأت من ملامحه، فلم يتخطَّ عمره الأربعين، ولكن يبدو أن الهم يزيد العمر، والفقر يقتل الشباب؛ فقد مَنَحَته الأيام عمرًا فوق عمره. تهللت قسمات وجهه التي تستطيع أن تُخبرك بكمِّ الهموم التي يحملها.

فتح صندوقه وأخذ قضْمةً واحدةً من إحدى الكعكتين، ثم راح يَلُوكُها بين فكيه طويلًا وأغلق الصندوق. فظننت في نفسي أنني أسأت الاختيار، فقلت له:
  «يبدو أن اختياري لم يُعجبك، سأُحضر لك غيره.»
فردَّ عليَّ:
  «على العكس، إنها أطيب ما تَذَوقتُ، ولكنني فضَّلتُ أن أتركها لأولادي، فسوف يسعدون بها كثيرًا.»

ابتسم قلبي لقوله، والتمستُ فيه حنان الأب الذي فقدته بموت أبي. ارتشف رشفةً من كوبه مُتلذِّذِّا بطعم القهوة وكأن دفئها يتسلل إلى روحه قبل جسده، فأصابتني عدوى السعادة منه، فتَلَذَّذْتُ بقهوتي رغم إحساس الفقد الكامن بداخلي. انتهت قهوتنا سريعًا على خلاف ما اشتهى قلبي، فاستأذن مني ليُكمل عمله، وقال لي:
  «أشكرك على الإفطار.»

ثم أخرج من جيبه شيئًا وقدَّمه لي قائلًا:
  «أهدتني ابنتي هذا القلم بمناسبة نجاحها في الاختبارات، تقديرا لتعبي معها، ثم ابتسم ونظر إلى القلم بعينٍ متلألأةٍ ببريقٍ حائرٍ بين الفخر والحزن أو ربما الفراق الذي أَلِفْته وقال : أتدري؟ إنها المرة الأولى التي أحصل فيها على هدية، إنه يعني لي الكثير، احتفظ به علَّه يُذكِّرك بي.»

مددتُ يدي وأخذتُه، ثم قلت بابتسامة:
  «أشكرك على منحي هذا الشعور.»

تَعَجَبتْ قسماتُ وجهه، يبدو أنه لم يفهم ما أرمي إليه. بعد أن مشيت بضع خطوات، تذكرت أنني لم أسأله عن اسمه، فقلت له:
  «لم أعرف اسمك.»
فقال:
  «أنا زكريا.»
فقلت له:
  «وأنا عمر.»

فأسند يده على صدره محييًا لي، فبادلته التحية بيدي ثم انصرفت.

وقد اكتسبتُ منه شعورًا قد بحثت عنه كثيرًا ولم أحظَ بتذوقه، وجدته متواريًا خلف لِثَامه، مُتربعًا في قلبه، ساريًا على أركانه، إنه شعور الامتنان. الامتنان لما لديَّ من نِعَمٍ، والفرحة بكل ما أملك، وعدم الركض وراء المفقود. فرغم ضيق حاله، وعمله الشاق، وعائده المادي الضعيف، إلا أنه شعر بالسعادة بسبب كوبٍ من القهوة الساخنة، وكعكةٍ صغيرةٍ قد نرْميها إن زادت عن حاجتنا، دون الالتفات إلى أنها تعني الكثير لغيرنا.

ومن يومها تَصالحتُ مع الغياب، وكلما شعرتُ بالضيق، وحاول هذا الشعور الهروب من بين يديَّ، أخرجت القلم من جيبي وتأمَّلْتُه، وتذكرتُ ابتسامة زكريا المليئة بالصبر والامتنان، فتُرْسم البسمة على وجهي، ويعود إليَّ شعور الامتنان خاضعًا، وكأنني أَسَرْتُه.

تفاعل القراء 376 قراءة
تقييم القراء 4.5 / 5 8 تقييم

اختر تقييمك: 1 الأقل و5 الأعلى

مساحة القراء

6 تعليق

يمكنك كتابة تعليقك باسمك وبريدك أو تركهما فارغين. المهم أن تصل الفكرة بلطف ووضوح.

  1. نفتقد لهذه المشاعر في هذه الأيام، أحسنتِ الإختيار، بارك الله فيكِ ♥️♥️

شارك رأيك

الاسم والبريد الإلكتروني اختياريان. لن يظهر البريد للزوار.

شارك هذا النص
حقوق النشر

جميع النصوص محفوظة للكاتبة ريم خميس. يسمح بمشاركة رابط النص فقط مع ذكر المصدر، ولا يسمح بنسخ أو إعادة نشر المحتوى دون إذن كتابي.

تابع القراءة

قصة جديدة تصل إلى بريدك

اشترك لتصلك الكتابات الجديدة ورسائل الكاتبة.

03

اقرأ تالياً

2026 رفيق دربي REEM KHAMEES
قصص

رفيق دربي

دخل نور الشمس يتسلل من وراء الستائر ليوقظني ويزيل عن عيني كسلًا طالما فضّلته، ويزيح عن قلبي همًّا طالما حملته، استيقظت من نومي متفائلًا مبتسمًا، مخالفًا لعادة رافقتني…