أشعر بسعادةٍ غامرةٍ؛ فقد أخبرتني أمي أنها سوف تقيم حفلةً لي بمناسبة نجاحي في الصف الأول الثانوي. في المساء وجدتها تكتب ما ستقوم بعمله من حلوى، وبجانب كل صنفٍ قائمة المشتريات التي ستحتاجها من أجل عمله، وطَلَبَتْ من أبي إحضارها من المتجر.
عند استيقاظي في الصباح سمعتُ أصواتًا تصدر من المطبخ، فهرولتُ إليه مستنتجةً بدء تحضيرات حفلي، فوجدت أمي قد بدأتْ بالفعل في تحضير الحلوى، وقد تحول المطبخ الذي كان يلمع في المساء إلى فوضى، فلم يبق سطحٌ إلا وتركت التحضيرات عليه بصمتها: الحوض ممتلئ بالأواني والأدوات، الصواني تملأ المكان بين نظيفٍ ومتسخٍ، الدقيق مبعثرٌ على السطح الرخامي ومنثورٌ على ملابس أمي، العجان مملوءٌ بعجينٍ جاهزٍ للتشكيل، ويداها عالقٌ بها آثار العجين، وبجانبها صينية قد بدأت في تشكيل وترتيب المخبوزات عليها، فعرفتُ أنها استيقظتْ مبكرًا لتستعد.
صبَّحتُ عليها واحتضنتها شاكرةً لها ما تبذله من أجلي. لقد عرضتُ عليها أن نشتري الحلوى من أشهر محال الحلوى، ونرتاح من عناء هذه التحضيرات المُرْهِقَةِ ولكنها رفضتْ. لا أعرف ما سر حب أمي للمطبخ، فهي تُصِرُّ أن طعام المنزل وحلواه هي الأفضل دائمًا.
مرت ساعات ولم تخرج أمي من المطبخ، فدخلتُ أتفقَّدُها، فوجدتها مستغرقةً في عملها، حائرةً بين إخراج المخبوزات الناضجة من الفرن و تزيين الكعكة التي خبزتها مُسَبَّقًا، يُلَطِّخُ ملابسها بقع الكريمة والشيكولاتة في لوحةٍ فنيةٍ مُرِيعَةٍ.
فقلت بإشفاقٍ: يبدو عليك الإرهاق يا أمي، فلترتاحي قليلا.
رفعتْ عينيها إليَّ وابتسمتْ بتعبٍ: لقد أوشكتُ على الانتهاء.
نظرتُ إلى الكعكة الذابلة بين يديها وقلت: الجو حارٌ وتزيين الكعكة في مثل هذا الحر مهمةٌ شاقةٌ.
تَنَهَّدَتْ: نعم، فكلما هَذَّبْتُ حوافها من جهةٍ تسيل الكريمة من الجهة الأخرى، فأُعيد تهذيبها بعنايةٍ وهذا يجعل الكريمة تسيل أكثر.
هَمَسْتُ: ليتنا اشتريناها.
ردتْ بثقةٍ: لا، فطعام المنزل وحلواه لا تقارن، فهي تحمل شيئًا لا يُباع في المتاجر.
فسألتها رغم علمي بالإجابة التي تقولها لي دومًا: وما هو؟
نَظَرَتْ في عَيْنَيَّ وقالت: إكسير الحب الذي أحرص على وضعه في ما أصنع.
ابتسمتُ وقلت: لماذا تحبين أن تُرهقي نفسك هكذا؟ ألا تفضلين الراحة؟
سكتتْ لحظةً، ثم قالت بهدوءٍ: الجميع يُفضل الراحة، ولكنكِ لن تُطيقي الحنين.
وأشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى.
فقلت وأنا أستدير إليها: أمي، أرجوك هذا ليس الوقت المناسب للألغاز.
فأسْكَتَتْنِي تلك العَبْرَةُ التي سالت من عينيها، لم أعرف ماذا أقول، فانسحبتُ بهدوءٍ، وعدت إلى غرفتي متسائلةً: لماذا تبكي أمي؟ هل أغضبتها؟ أنا لم أقصد، أنا فقط أشفقتُ عليها؛ فهي تُرهق نفسها كثيرًا، وفي النهاية لا تكون النتيجة كتلك التي نشتريها.
بعد قليلٍ عدت إليها وكانت قد انتهت من الخَبْزِ، وزَيَّنَتَ الكعكة، ووضعتها في الثلاجة، وبدأتْ في غسل وتنظيف ما خَلَّفَهُ عمل تلك الحلوى من كوارث.
اقتربتُ منها وهمستُ: أنا آسفةٌ، لم أقصد يا أمي.
فردت بلطفٍ: لا عليك.
فسألتها بعطفٍ: لماذا بكيتِ؟
فردت سريعًا: لم أبكِ.
قلت: بلى، لقد رأيت تلك الدمعة.
رَبَّتَتْ على يدي، والتَفَتَتْ إلى المخبوزات الناضجة المغطاة أمامها، وأمسكتْ بواحدةٍ منها وقَدَّمَتْها لي: تذوقي.
نظرتُ في عينيها وابتسمتُ بمكرٍ: لا تغيري مجرى الحديث.
فابتسمتْ وأشارت إلى السطح المغطى بالدقيق: هيا لتساعديني في تنظيف هذه الفوضى، فما زال لدينا مهامٌ أخرى.
ففهمتُ إعراضها عن الحديث، فأحببتُ ألا أزعجها بأسئلتي الساذجة.
أنهينا التنظيف، وعدتُ إلى غرفتي مرهقةً، عاقدةً العزم على ألا أَخْبِز َكعكًا يومًا، ولا أُوَرِّطَ نفسي في حفلٍ كهذا.
وبينما أرتبُ غرفتي زارتني ذكرى تحضيرات العيد، فقبل كل عيد فطر تُصِرُّ أمي على خَبْزِ حلواه بيديها، على الرغم من توافرها في المحلات بأشكالٍ ونكهاتٍ تفوق الخيال، ولكن هذه عادتها منذ سنين. وآخر أيام شهر رمضان من كل عامٍ نقضيها في المطبخ بين الصواني والدقيق والزبدة، ونعيش أجواءً استوائيةً صعبةً؛ بسبب حرارة الفرن المرتفعة التي تُفْقِدُنَا كوب الماء الذي شربناه في السُحُور، وتزيد من ثِقَلِ الصيام علينا. وبما أننا صائمون نخوض اختبارًا كبيرًا بين سيلان لعابنا مع كل صينيةٍ تخرج من الفرن مُصْطَفًّا عليها ما لذ وطاب من الكعك والبسكويت والمعمول بألوانها الذهبية الشهية، وتَمَسُّكْنا بصيامنا حتى يحين وقت أذان المغرب الذي تأخر موعده بقدر اشتياقنا لتناول تلك الحلوى.
فحدثتُ نفسي: ليتني أعرف ما سبب رفض أمي لشراء الحلوى الجاهزة، وكرهها للطعام الجاهز، فكلما طلبتُ منها أن نشتري طعامًا جاهزًا حاولتْ إقناعي بجودة طعام المنزل ونظافته وإكسير العائلة المميز الذي يُوضع فيه، فيشتد الجدال بيننا، وأحيانًا توافق فقط من أجل إرضائي وأحيانًا أخرى ترفضُ بحزمٍ، فنتخاصم، فكل واحدةٍ منا متمسكةٌ برأيها.
لقد أخذتُ قرارًا لا رجعة فيه، عندما أتزوج لن أدخل المطبخ، سأستريح وأشتري طعامًا من المطاعم كل يومٍ، سأشتري الحلوى والمخبوزات، سأُسْعِدُ زوجي وأطفالي بتلك الأطعمة اللذيذة ولن أحرمهم منها.
تمر السنون، وأكبر وأتزوج، وأسافر مع زوجي خارج البلاد؛ بسبب طبيعة عمله، فنضطر إلى قضاء العام في الخارج، ولا نعود إلى وطننا إلا شهرًا واحدًا نقضيه بين أهلنا.
وجدتُ نفسي أستمتع بالطبخ لزوجي، وعندما يعرض عليَّ أن نشتري طعامًا جاهًزا، أرفض فأنا أحبه وأحب أن أطعمه من صنع يَدَيَّ. رزقني الله بطفلةٍ وازداد حرصي على إطعامها من المنزل طعامًا بمعايير محددةٍ أنا التي أضعها، مناسبةٍ لعمرها واحتياجاتها. فأصبح المطبخ معملي الخاص الذي أُنتج فيه إكسير الحب، يبدو أنني ورثتُ إكسير العائلة المميز. لا أعرف ما الذي حدث لي؟ أصبحتُ أكره طعام المطاعم مثل أمي، كيف، ومتى؟ ليس لدي فكرة. وفهمتُ الآن لماذا كانت تُصِرُّ أمي على أن تُطعمنا من صنع يديها، فمن يحب يجد لذةً خاصةً في إطعام أحبابه من صنع يديه.
كنت بين الفينة والأخرى أشتاق إلى طعام أمي، بالطبع فأنا لا أتناوله إلا مراتٍ معدودةٍ خلال الشهر الوحيد الذي نقضيه معًا كل عامٍ. استيقظتُ اليوم مستشعرةً لذة طعامها في حلقي، شاعرةً بالحنين، كم أن الحنين شعورٌ صعبٌ! ولكن ما باليد حيلةٌ. لا أعرف ما الذي ذَكَّرَنِي بكلمات أمي «لن تُطِيقي الحنين» ولأول مرةٍ أستوعبُ معناها، فقد رحلتْ والدتها قبل أن تتم دراستها الجامعية، وبالطبع قد حُرمتْ من كل جميلٍ تصنعه أمها بيديها. بكيتُ وتذكرتُ قسوتي وقتها، وعدم إدراكي لهذا المعنى، وفهمتُ الآن معنى الدمعة التي سالتْ من عينيها، فيبدو أن أمي كانت لا تُطِيقُ الحنين.
قصص
مِنْ صُنْعِ يَدَيْهَا
تفاعل القراء
133
قراءة
مساحة القراء
1 تعليق
يمكنك كتابة تعليقك باسمك وبريدك أو تركهما فارغين. المهم أن تصل الفكرة بلطف ووضوح.
شارك رأيك
شارك هذا النص
جميع النصوص محفوظة للكاتبة ريم خميس. يسمح بمشاركة رابط النص فقط مع ذكر المصدر، ولا يسمح بنسخ أو إعادة نشر المحتوى دون إذن كتابي.
قصة تفضل في الذاكرة، مش مجرد كلمات تُقرأ وتُنسى❣️❣️