ما معنى الألم؟
وماذا يعني لك الألم؟
يختلف تعريف هذه الكلمة من فردٍ إلى آخر، ومن عقليةٍ إلى أخرى، تبعًا لدرجة معاناتها وفلسفتها في الحياة. فقد يعني لك ألم الرأس الذي تعاني منه دومًا، وقد يعني لك ألم الروح الذي يعصر قلبك. وهنا أتحدث عن الأخير كونه خفيًا، مُحطمًا للآمال، وعلاجه يكاد يكون محالًا، ووصولك لدرجة المعاناة منه يعني أنه قد تَفَاقَمَ وخَيَّمَ على جوارحك ونشر سُمَّهُ في عروقك.
ألم تشعر يومًا بسجنٍ تحمله في داخلك ولا تستطيع الفِكَاك منه؟ أتعبت من هذا الألم الداخلي الذي لا تعرف سببه أو تكتشف مصدره، وتتمنى لو تستطيع أن توقفه؟ ألم تتعجب يومًا من أفعال البشر وتنتقد ما هم فيه؟ ألم تتساءل يومًا كيف لهذا أن يفعل ذلك؟ وتحكم عليه دون رحمةٍ؟ هل تسألت يومًا كيف يفكر البشر وكيف تتباين ردود أفعالهم؟ هل تخيلت يومًا أن تُبْحِرَ في أفكار الآخرين وتَنْبُشَ ماضيهم؟
لم يسلم أحدٌ منا من ألمٍ يسكن أعماقه، وغصةٍ تؤرق حياته، وهمٍ ثقيلٍ يحمله في صدره، واضطرابٍ لا يعلم عنه شيئًا. فلا تقلق يا عزيزي كلنا متألمون، والأدق أن في داخل كلٍ منا تشوُّهًا أَبْعَدَنَا بدرجاتٍ متفاوتةٍ عن السواء النفسي. وإذا فتحنا الصندوق الأسود لكلٍ منا، سنجد الكثير والكثير من الأسرار التي لم ولن يبوح بها لأحدٍ، ولكن أفعاله وتعاملاته تفضح ما بداخله وتكشف المستور.
حينما كنا صغارًا، كنا نحلم أن نكبر ونصير مثل الكبار وندخل عالمهم، نفعل ما يحلو لنا، لا تُكَبِّلُنا قيودٌ، ولا نُسجن في سجن الروتين والقواعد، ونهرب من أشياءٍ تُؤلمنا وتُنَغِّصُ علينا طفولتنا. ولم نعلم أننا سنَجُرُّ تلك الأعباء معنا من الماضي إلى الحاضر دون وعيٍ منا، لم ندرك أننا سنُحَاكِي ما تَشَرَّبَتْه أرواحنا ونُعيد القصة مرة أخرى ولكن هذه المرة سنكون نحن الأبطال. فهذا يرى والده الذي ينصحه وينهاه عن شرب الدخان يُدخن بشراهةٍ، فينتقده ويَعْزِمُ ألا يكونه، ويتفاجأ بنفسه أنه أصبح مُدخنًا عندما يكبر. وهذه الفتاة التي تُعاني من أمٍ أنانيةٍ لا ترى إلا نفسها ولا تهتم إلا بما تهواه، بخيلة المشاعر على أطفالها، وُئِدَ قلبها حيًا، فتعيش الفتاة حياةً بائسةً وتلعن أيامها التي تمر ببطءٍ، فهي تُريدها أن تعدو كالبرق لتتزوج وتُنْجِبُ وتَكُون صورةً للأم الصالحة التي افْتَقَدَتْهَا في حياتها، فتصطدم بواقع أنها لا تعرف معنى كلمة «أم صالحة» فلم تُدْرٓجُ في قاموسها من قبل، فتُكمل طريق الألم والمعاناة رغمًا عنها، منتحلةً صورة أمها التي عانت منها. وهذا الذي يضربه والده ويُعَنِّفَه ويَنْعَتَه بأبشع الألفاظ، فيُعاهد نفسه على ألا يُكرر خطأ والده وأنه سيُعامل أولاده عكس ما عايشه ولكنه يتفاجأ بنفس فِعلة والده، يُطبقها مع أولاده دون أن ينتبه. وهذا الذي تعرض للتنمر في الصغر، فيَشِبُ على كره نفسه وكره الآخرين، ويصبح بارعًا في التنمر على الآخرين وإلقاء النِكات السخيفة على حالهم.
أتظن أن هذه الأنماط تتكرر صدفةً؟
ألا تتذكر التقليل من شأنك أو المقارنة مع الآخرين؟ مُعَايَرَتُكَ بأحد عيوبك أو حتى ملامحك التي لا ذنب لك بها؟ تفضيل أُسرتك لأحد إخوتك عليك بأشياء مادية أو معنوية؟ عدم تعبير أهلك عن الحب تجاهك وإشعارك أنك عالةٌ عليهم؟ عدم فرحتهم بك وبإنجازاتك الواضحة، وتعمُّدهم إهدار قيمة جهدك؟ رؤيتهم القبيح منك ووضعك تحت المجهر طوال الوقت؟ الصراخ في وجهك، الضرب على أشياء عفوية وغير مقصودة؟
أسمعت تلك النداءات تهمس في أُذُنِك وتُلاحِقُ حاضرك أم لم يحالفك الحظ بعد؟
نعم إنها حلقةٌ مغلقةٌ من الأسرار والمعاناة، وكلها بسبب الماضي. فالكل لديه ما يُعانيه في حاضره بسبب ماضيه. وهذا الألم هو مجرد نتيجة، فقد قرر شبح الماضي الظهور والتعبير عن نفسه، لقد قرر المارد النهوض من مضجعه والصراخ بأعلى صوته عسى أن يُخَلِّصَهُ أحد.
وبالطبع لم ينتج هذا الألم بين ليلةٍ وضحاها. فقد كنا نتألم قديمًا بسبب هذه الأفعال المَشِينَة، ولكنها في الحاضر أكثر ألمًا. ففي الماضي كنا صغارًا، أَلْبَابُنا مشغولةٌ باللهو واللعب رغم كل الصِعاب، كانت تتناسى الآلام والأذى بالاندماج بين الدمى والألعاب، فنضطر إلى أن نصبح كإحدى هذه الدمى لا نشعر في بعض اللحظات. ولكن بعد أن نضجنا وكبرنا، لم تعد تلك الدمى البريئة تخطف أَلْبَابَنا كسابق عهدها، ولم تعد لدينا القدرة على مُحَاكَاتِهَا والتَّنصُّل من مشاعرنا. فأصبحت عقولنا تتصرف بمخزونها القديم دون أن نتحكم: فإذا كان مليئًا بالحب، سَكَبَ الحب على كل من حوله، وإذا حَلَّت مكانه القسوة، احترق كل من حوله بهذه اللعنة.
فالكل يُعاني، وللأسف لا يكتشف سبب هذه المعاناة إلا قلبٌ قد ارتشف رشفةً من المعاناة ورزقه الله الحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم، فيحاول التغلب على معاناته وتهذيبها، مكتشفًا أن الادراك لا يمحو المعاناة لكنه يمنحها معنى، وهذه بصيرة القلب. أو شخصٌ ارتشف رشفته من المعاناة ورزقه الله حب القراءة والبحث، فكان كل كتابٍ يقرؤه بمثابة خطوةٍ يبتعد بها عن عتمة الماضي، وهذه بصيرة العقل. وقد يجتمع البصيرتان بأحدهم، فيعلمه الله ويزداد علمه بالقراءة والاطلاع.
فرفقًا بمن حولكم، فأنت لا تعاني وحدك، فالجميع مبتلون. فأنت وذاك وتلك يتألمون ويعانون من اضطراباتهم وأفكارهم المدفونة والمغلوطة. فلا تُحَمِّلُوا أنفسكم أو من تحبون فوق طاقتهم. فلنحاول التحكم في أنفسنا وعدم الحكم على الآخرين والرفق بهم، وهم كذلك. فإن لم نتراحم فيما بيننا، سيزيد التألم وقد يُظْلِمُ العالم في عين أحدهم.
ولتعلم أن الألم أمانةٌ حملها الإنسان رغمًا عنه بعد أن أبَتْ السماوات والأرض حملها. فيجب على الإنسان أن يتعلم كيف يتعايش معه ويُسَخِّره لصالحه، ويتأمل متسائلاً: ماذا يريد مني هذا الألم؟ ما الحكمة منه؟ فقد جاء برسالةٍ، ولن يرحل إلا بعد أن تستقبل هذه الرسالة وتستوعبها. فاقرأ رسائل الألم بتمعنٍ وحذرٍ، لا أُنكر أن التعلم وسط نيران الألم شيءٌ صعبٌ ومؤلمٌ في حد ذاته، ولكن حاول أن تستبصر ليتركك الألم ويذهب لآخر ليُعَلِّمَه الدرس، ويدور دورته على الآخرين، ثم يعود إليك في وقتٍ لاحقٍ ليُعَلِّمَكَ درسًا جديدًا، وهكذا، فهذه رحلة الألم ووظيفته. فحاول أن تتعلم من ماضيك وتستخدمه لإصلاح حاضرك، فلو تأملت ماضيك وأحسنت التعلم منه، فسيقل الألم في حاضرك أو ربما يرحل في صمتٍ. واحرص أن تحمل ألمك بحكمةٍ، ولا تُوَرِثُهُ لمن لم يكن سببـًا فيه.
مقالات
هل حاضرنا مؤلمٌ أم ماضينا أكثر ألماً؟
تفاعل القراء
337
قراءة
مساحة القراء
8 تعليق
يمكنك كتابة تعليقك باسمك وبريدك أو تركهما فارغين. المهم أن تصل الفكرة بلطف ووضوح.
شارك رأيك
شارك هذا النص
جميع النصوص محفوظة للكاتبة ريم خميس. يسمح بمشاركة رابط النص فقط مع ذكر المصدر، ولا يسمح بنسخ أو إعادة نشر المحتوى دون إذن كتابي.
اسلوب كتابتك رائع وسلس، يشد القارئ من البداية للنهاية❤️
ممتنة لك، أشكرك على كلامك الرقيق🤍
أعجبني المقال جدًا، يستحق كل التقدير🤍🤍
شكرا جزيلا 🤍
هذه هي الكلمات التى نحتاجها فى الوقت الحالي
شكراً جزيلاً على المقال الرائع.
أشكرك على كلامك المشجع🤍
مقال اكثر من رائع ننتظر المزيد من تلك الكلمات التي تلمس قلوبنا ♥️
أشكرك يا سلمى على كلامك الجميل🌷
ممتنة لك جدا🤍